محمد فاروق النبهان

176

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

وقال ابن مجاهد : « ينبغي ألا يشكل إلا ما يشكل » « 1 » ، وقال النووي : نقط المصحف وشكله مستحب ، لأنه صيانة له من اللحن والتحريف « 2 » . وكان أبو الأسود الدؤلي معنيا بشؤون اللغة ، واشتهر أنه أول من وضع العربية ، وأن الخليل بن أحمد أول من وضع العروض ، ومن الطبيعي أن تتوجه الأنظار إليه ، وأن يطالب بإعداد ما يضمن سلامة النص القرآني ، ويقال بأن زياد ابن أبيه والي البصرة طالبه بأن يجعل للناس علامات يعرفون بها كتاب اللّه ، فتثاقل أبو الأسود وتباطأ ، ولعله تهيب الأمر ، ولما سمع قارئا يقرأ قوله تعالى : أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ بجر اللام في « رسوله » قال : عز وجه اللّه أن يبرأ من رسوله ، وذهب إلى زياد بعد أن أفزعه الأمر وقال له : « قد أجبتك إلى ما سألت » « 3 » وعكف على إعداد نقط دالة على الحركات والسكون . ولا شك أن أبا الأسود الدؤلي هو أول من شرع في الأمر ببدايات بسيطة ، إذ لا يعقل أن يقوم بهذا العمل شخص واحد ، ولا يمكن أن يكتمل من خلال عمل في جيل واحد ، فمثل هذه الأعمال الكبيرة ، تبتدئ كفكرة ، ثم يشرع فيها بخطوة ، ثم تعقبها خطوات متعسرة خجولة تتعثر مرة وتتقدم أخرى إلى أن يستقر الأمر على الأفضل والأيسر مما لا مشقة فيه على الأمة . وهناك رواية تقول : بأن أول من نقط المصاحف يحيى بن يعمر ، ويقال : إنه قام بتنقيط مصحف ابن سيرين المتوفى سنة 110 ه ، وكان يحيى بن يعمر من أهل البصرة ، واتهم في عصر الحجاج بالتشيع ونفي إلى خراسان ، وهناك اشتهرت مكانته وأصبح « قاضي مرو » . وتابع العمل من بعده نصر بن عاصم الليثي تلميذ أبي الأسود الدؤلي ، وكان أحد قراء البصرة ، وهناك من يقول : بأنه أول من نقط المصاحف ، ولا يمكن الترجيح بين هذه الأقوال والروايات ، لصعوبة تحديد دور كل فرد في هذا العمل

--> ( 1 ) انظر الإتقان ، ج 4 ، ص 161 . ( 2 ) نفس المصدر . ( 3 ) انظر مناهل العرفان للزرقاني ، ج 1 ، ص 401 .